الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
195
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والاعتراف : افتعال من عرف . وهو للمبالغة في المعرفة ، ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره ، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه ، لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه ، ولا يتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى ، ولكن يشترط فيه العزم على أن لا يعود . وخلطهم العمل الصالح والسيّئ هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش . وقوله : خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً جاء ذكر الشيئين المختلطين بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما . ويقال : خلط كذا بكذا على اعتبار أحد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط ، والتركيبان متساويان في المعنى ، ولكن العطف بالواو أوضح وأحسن فهو أفصح . وعسى : فعل رجاء . وهي من كلام اللّه تعالى المخاطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم فهي كناية عن وقوع المرجو ، وأن اللّه قد تاب عليهم ؛ ولكن ذكر فعل الرجاء يستتبع معنى اختيار المتكلم في وقوع الشيء وعدم وقوعه . ومعنى : أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ في سورة البقرة [ 37 ] . وجملة : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل مناسب للمقام . [ 103 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 103 ] خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات وكان التخلف عن الغزو مشتملا على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد ، وعدم إنفاق المال في الجهاد ، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يمكن تداركه مما فات وهو نفع المسلمين بالمال ، فالانفاق العظيم على غزوة تبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين ، فإذا أخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حلّ بمال المسلمين . فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها . وقد روي أن الذين اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهرنا